الصالحي الشامي

5

سبل الهدى والرشاد

فاعلم - وفقنا الله وإياك - أن هذا الحديث صحيح متفق عليه ، وقد طعنت فيه الملحدة ، وتدرعت به لسحف عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع ، وقد نزه الله الشرع والنبي عما يدخل في أمره لبسا وإنما السحر مرض من الأمراض ، وعارض من العلل ، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته . وأم ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشئ ولا يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شئ من تبليغه أو شريعته ، أو يقدح في صدقه ، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا ، وإنما هذا فيما يجوز طروءه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ، ولا فضل من أجلها ، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر ، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ، ثم ينجلي عنه ، كما كان . وأيضا فقد فسر هذا الفصل الحديث الآخر من قوله : حتى يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن . وقد قال سفيان - وهذا أشد من السحر ، ولم يأت في خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله ، وإنما كانت خواطر وتخيلات . وقد قيل : إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشئ أنه فعله ، وما فعله ، لكنه تخييل لا يعتقد صحته ، فتكون اعتقاداته كلها على السداد ، وأقواله على الصحة . هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث مع ما أوضحناه من معنى كلامهم ، وزدناه بيانا من تلويحاتهم . وكل وجه منها مقنع ، لكنه قد ظهر لي في الحديث تأويل أجلي وأبعد من مطاعن ذوي الأضاليل يستفاد من نفس الحديث ، وهو أن عبد الرزاق قد روى هذا الحديث عن ابن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وقال فيه عنهما : سحر يهود بني زريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلوه في بئر حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكر بصره ، ثم دله الله على ما صنعوا فاستخرجه من البئر . وروي نحوه ، عن الواقدي ، وعن عبد الرحمن بن كعب ، وعمر بن الحكم . وذكر عن عطاء الخراساني ، عن يحيى بن يعمر : حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة سنة ، فبينا هو نائم أتاه ملكان ، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه . . الحديث . قال عبد الرزاق : حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة خاصة سنة حتى أنكر بصره . وروى محمد بن سعد ، عن ابن عباس : مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحبس عن النساء والطعام والشراب ، فهبط عليه ملكان . . . وذكر القصة .